فصل: تفسير الآية رقم (40):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التيسير في التفسير أو التفسير الكبير المشهور بـ «تفسير القشيري»



.تفسير الآية رقم (36):

{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36)}
الا فتياتُ عليه في أمره والاعتراضُ عليه في حُكْمِه وتَرْكُ الانقيادِ لإشارته. قَرْعٌ لبابِ الشِّرْكِ، فَمَنْ لم يُمْسِكْ عنه سريعاً وَقَعَ في وهدته.

.تفسير الآيات (37- 38):

{وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (37) مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (38)}
قوله جل ذكره: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَليْكَ زَوْجَكَ وَاتِقَّ اللَّهِ وَتُخْفِى في نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَىْ لاَ يَكُونَ عَلَى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أَزْوَاجٍ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً}.
أنعم الله عليه بأن ذَكَرَه وأفرده من بين الصحابة باسمه.
ويقال: أنعم اللَّهُ عليه بإقبالِكَ عليه وتَبَنِّيكَ له. ويقال: بأن أَعْتَقْتَه، ويقال: بالإيمان والمعرفة. وأنْعَمْتَ عليه بالعتق وبأن تَبَنَّيْتَه. {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} إقامةُ للشريعة مع عِلْمِكَ بأن الامر في العاقبة إلى ماذا يؤول، فإنَّ اللَّهَ أطْلَعَكَ عليه، وقلت له: اتق. قوله: {وَتُخْفِى في نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ}: أي لم تُظهِرْ لهم أنَّ الله عَرَّفَكَ ما يكون من الأمر في المستأنف.
{وَتُخْفِى في نَفْسِكَ} مِنْ مَيْلِكَ ومحبتك لها لا على وجهٍ لا يَحِلُّ. {وَتَخْشَى النَّاسَ} أي وتخشى عليهم أن يقعوا في الفتنة من قصة زيد، وكانت تلك الخشية إشفاقاً منكَ عليهم، ورحمةً بهم.
ويقال: وتستحي من الناسِ- واللَّهُ أحقُ أن تَسْتَحِيَ منه.
ويقالك تخشىلناسَ ألا يطيقوا سماعَ هذه الحالة ولا يَقْوَوا على تَحَمُّلِها. فربما يخطر ببالهم ما يَنْفى عنهم وُسْعَهم.
{فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا} لكي لا يكون عليك حَرَجٌ، ولكي لا يكونَ على المؤمنين حرج في الزواج بزوجات أدعيائهم، فإنما ذلك يُحرِّمُ في الابن إذا كان من الصُّلْبِ.
قوله جلّ ذكره: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً}.
لا يُعَارَضُ ولا يُنَاقَضُ، ولا يُرَدُّ ولا يُجْحَد. وما كان على النبيِّ من حَرَجٍ بوجهٍ لكونه معصوماً.

.تفسير الآية رقم (39):

{الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39)}
ويخشونه: علماً منهم بأنه لا يُصِيبُ أحداً ضررٌ ولا محذورٌ ولا مكروهٌ إلا بتقديره فيفردونه بالخشية إذ عَلِموا أنه لا شيءَ لأحدٍ مِنْ دونه.

.تفسير الآية رقم (40):

{مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40)}
لم يكن مضافاً إِلى ولدٍ فله عليكم شفقة الآباء.. ولكن ليس بأبيكم.
ويقال نَسَبُه ظاهرٌ. ولكن إنما يُعْْرَفُ بي لا بنَسَبِه؛ فقلَّما يقال: محمدُ بن عبد الله، ولكن إلى أبد الأبد يقال: محمد رسول الله. وشعارُ الإيمانِ وكلمةُ التوحيدِ- بعد لا إله إلا الله- محمدٌ رسولُ الله.

.تفسير الآيات (41- 42):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42)}
الإشارة فيه أَحِبُّوا الله؛ لأنَّ النبي- صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أحبَّ شيئاً أكثر من ذكره» فيجب أن تقول الله، ثم لا تنسَ الله بعد ذكرك الله.
ويقال: اذكروا الله بقلوبكم؛ فإِنَّ الذكرَ الذي تمكن استدامته ذكرُ القلب؛ فأمَّا ذِكْرُ اللسانِ فإدامته مُسْرَمَداً كالمتعذر.
{وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً}: التسبيحُ من قبيل الذكر، ولكنه ذََكَره بلفظين لئلا تعتريك سآمة.

.تفسير الآية رقم (43):

{هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43)}
الصلاة في الأصلِ الدعاءُ؛ فصلاتُه- سبحانه- دعاؤه لنا بالتقريب، وصلاةُ الملائكة دعاؤهم إليه لنا: بالغفرانِ للعاصي، وبالإحسانِ للمطيع.
ويقال الصلاةُ من الله بمعنى الرحمة، ومن الملائكة بمعنى الشفاعة.
{لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}: ما ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.
ويقال ليخرجكم من الظلمات إلى النور أي يعصمكم من الضلال بَرْوح الوصال.
ويقال ليخرجكم من ظلمات التدبير إلى فضاء شهود التقدير.
ويقال ليخرجكم من ظلمات نفوسكم إلى أنوار البصائر في قلوبكم.
ويقال ليخرجكم من أسباب التفرقة إلى شهود عين التوفيق، والتحقق بأوصاف الجمع.
ويقال يصونكم من الشِّرْكِ، ويُثبِتُكم بشواهد الإيمان.

.تفسير الآية رقم (44):

{تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (44)}
التحيةُ إذا قُرِنَتْ بالرؤية، واللقاءُ إذا قُرِنَ بالتحية فلا يكون ذلك إلا بمعنى رؤية البَصَر.
والسلام خطاب يفاتح به الملوك إِخباراً عن عُلُوِّ شأنهم ورتبتهم، فإلقاؤه حاصِلٌ وخطابُه مسموعٌ، ولا يكون ذلك إلا برؤية البصر.
{أجْراً كَرِيماً}: الكَرَمُ نَفْيُ الدناءة، وكريماً أي حسناً.
وفي الإشارة أجرهم موفور على عملٍ يسير؛ فإنَّ الكريم لا يستقصي عند البيع والشراء في الأعداد، وذلك تعريف بالإحسانِ السابق في وقت غيبتك.

.تفسير الآيات (45- 47):

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (47)}
{يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً}.
يأيها المُشَرَّفُ مِنْ قِبَلِنا إِنّا أرسلناكَ شاهداً بوحدانيتنا، وشاهداً تُبَشِّر بمتابعتنا، وتحذِّرُ من مخالفة أَمْرِنَا، وتُعْلِمُ الناسَ مواضعَ الخوف مِنَّا، وداعياً إلينا بنا، وسراجاً يستضيئون به، وشمساً ينبسط شعاعُها على جميع مَنْ صَدَّقَكَ، وآمَنَ بك، فلا يصل إلينا إِلاَّ مَنْ اتبَّعَكَ وخَدَمَك، وصَدَّقَك وقَدَّمَك.
{وَبَشِّرِ الْمُؤمِنِينَ} بفضلِنا معهم، ونَيْلِهم طَوْلَنا عليهم، وإحسانِنا إليهم. ومَنْ لم تُؤَثِرْ فيه بَرَكةُ إيمانه بك فلا قَدْرَ له عندنا.

.تفسير الآية رقم (48):

{وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (48)}
لا توافِقْ مَنْ أعرضنا عنه، وأضللنا به من أهلَ الكفر والنفاق، وأهل البِدَع والشِّقاق. وتوكلْ على الله بدوام الانقطاع إليه، وكفى بالله وكيلاً.

.تفسير الآية رقم (49):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (49)}
إذا آثرتُمْ فراقَهُنَّ فَمَتُعوهن ليكونَ لهن عنكم تذكرة في أيام الفرقة في أوائلها إلى أَنْ تتوطَّنَ نفوسُهن على الفرقة.
{وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً}: لا تذكروهن بعد الفراق إلا بخير، ولا تستردوا منهن شيئاً تخلَّفتُم به معهن، فلا تجمعوا عليهن الفراقَ بالحال والأضرارَ من جهة المال.

.تفسير الآية رقم (50):

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آَتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (50)}
وسَّعْنَا الأمرَ عليكَ في باب النكاح بكم شِئْتتَ؛ فإنك مأمونٌ من عيب عدم التسوية بينهن وعدم مراعاة حقوقهن، ومن الحَيْفِ عليهن. والتَّوْسعةُ في بابِ النكاحَ تَدُلُّ على الفضيلة كالحُرِّ والعبد.

.تفسير الآية رقم (51):

{تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آَتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (51)}
قوله جلّ ذكره: {تُرْجِى مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُئْوِى إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ ءَاتَيْْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ}. {مَن تَشَاءُ}: على ما تتعلَّق به إرادتُك، ويقع عليه اختيارُك، فلا حَرَج عليكَ ولا جُنَاح.

.تفسير الآية رقم (52):

{لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (52)}
لمَّا اخْتَرْتَهُنَّ أثبت اللَّهُ لهن حُرْمة، فقال: {لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِن بَعْدُ} فكما اخترْنَكَ فلا تَخْتَرْ عليهن امرأةً أخرى تطييباً لقلوبهن، ونوعاً للمعادلة بينه وبينهن، وهذا يدل على كَرَمِه- والحِفَاطُ كَرَمٌ ودَيْن.

.تفسير الآية رقم (53):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53)}
قوله جلّ ذكره: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِىِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا} الآية.
أَمَرَهم بحفظ الأدب في الاستئذان، ومراعاة الوقت، ووجوب الاحترام؛ فإذا أُذِنَ لكم فادخلوا على وجه الأدب، وحِفْظِ أحكام تلك الحضرة، وإذا انتهت حوائجكم فاخرجوا، ولا تتغافلوا عنكم، ولا يَمْنَعَنَّكُم حُسْنُ خُلُقِه من حِفْظِ الأدب، ولا يحملنَّكم فرطُ احتشامِه على إبرامه.
{فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتِشِرُواْ وَلاَ مُسْتَئْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَالِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النَّبِىَّ فَيَسْتَحْىِ مِنكُمْ}: حُسْنُ خُلُقِه- صلى الله عليه وسلم- جَرَّهم إلى المباسطة معه، حتى أنزل اللَّهُ هذه الآية.
{وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقَلُوبِهِنَّ}: نَقَلَهم عن مألوفِ العادة إلى معروف الشريعة ومفروض العبادة، وبَيَّنَ أن البَشَرَ بَشَرٌ- وإن كانوا من الصحابة، فقال: {ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقَلَوبِهِنَّ}.
فلا ينبغي لأحدٍ أن يأمن نفسه- ولهذا يُشَدَّدُ الأمرُ في الشريعة بألا يخلوَ رجلٌ بامرأة ليس بينهما مَحْرَمَة.
قوله جلّ ذكره: {وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُواْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدَهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيماً}.
وهذا من خصائصه- صلى الله عليه وسلم، وفي هذا شبه رخصة لمن يلاحظ شيئاً من هذا، فيهتم بالاتصال مَنْ له مَيْلٌ إلَيهنَّ بغيرهن بعد وفاته- وإِنْ كان التحرُّزُ عنه- وعن أمثال هذا مِنْ تَرْكِ الحظوظ- أتمَّ وأعلى.

.تفسير الآية رقم (54):

{إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (54)}
حِفْظُ القلبِ مع الله، ومراعاةُ الأمر- بينه وبين الله- على الصِّحَةِ في دوام الأوقات لا يَقْوى عليه إلا الخواصُّ من أهل الحضور.

.تفسير الآية رقم (55):

{لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آَبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (55)}
قوله جلّ ذكره: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ في ءَابَآئِهِنَّ وَلاَ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلاَ نِسَآئِهِنَّ} الآية.
لما نزلت آيةَ الحجابِ شقَّ عليهن وعلى النسوان وعلى الرجال في الاستتار، فأنزل اللَّهُ عزَّ وجلَّ هذه الآية للرخصة في نظر هؤلاء إلى النساء، ورؤية النساء لهم على تفصيل الشريعة.

.تفسير الآية رقم (56):

{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56)}
أراد الله- سبحانه- أن تكون للأمة عنده- صلى الله عليه وسلم- يَدُ خدمةٍ كما له بالشفاعة عليهم يَدُ نعمةٍ، فأَمَرَهم بالصلاة عليه، ثم كافأ- سبحانه عنه؛ فقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلّى عليَّ مرةً صلى اللَّهُ عليه عشر مرات» وفي هذا إشارة إلى أن العبدَ لا يستغني عن الزيادة من الله في وقتٍ من الأوقات؛ إذ لا رتبةَ فوق رتبةِ الرسولِ، وقد احتاج إلى زيادةِ صلواتِ الأمَّةِ عليه.

.تفسير الآيات (57- 58):

{إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58)}
يؤْذون اللَّهَ ورسولَه بعمل المعاصي التي يستحقون بها العقوبة، ويؤذون أولياءَه. ولمَّا قال: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] فكذلك مَنْ آذى رسولَه وأنبياءَه عليهم السلام والمؤمنين فقد آذاه، ومعناه تخصيص حالتهم وإثبات رتبتهم.
ثم ذكر قوله: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ...}، ويدلُّ ذلك على أن رتبة المؤمنين دون رتبة الرسول صلى الله عليه وسلم.